حزب العمال الكردستاني — شوكة بخاصرة الحكومات
منذ تأسيسه أواخر السبعينيات، شكّل حزب العمال الكردستاني (PKK) أحد أكثر الفاعلين تأثيراً في معادلات الشرق الأوسط، ولا يزال إلى اليوم نقطة توتر دائمة بين تركيا وسوريا والعراق، خاصة بعد توسع امتداده عبر "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في شمال شرق سوريا.
نشأة الحزب
أسس عبدالله أوجلان (آبو) الحزب عام 1978 على قاعدة فكرية ماركسية لينينية في بدايتها، تطورت لاحقاً نحو ما يسميه أنصاره "الكونفدرالية الديمقراطية". انطلق الحزب من تركيا بحركة مسلحة منذ 1984، وخاض حرباً طويلة مع الجيش التركي قارب ضحاياها أربعين ألف قتيل. سوريا في زمن حافظ الأسد قدمت دعماً لوجستياً للحزب لعقود، قبل أن تطرده عام 1998 تحت ضغط تركي مباشر.
الامتداد السوري — قسد
مع اندلاع الأحداث في سوريا، تشكلت "وحدات حماية الشعب" (YPG) كذراع سوري لفكر الحزب، ثم انضوت لاحقاً في "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) عام 2015 بدعم من التحالف الدولي ضد داعش. سيطرت قسد على مساحات واسعة في شمال شرق سوريا، تشمل الحسكة والرقة وأجزاء من دير الزور، وأقامت إدارة ذاتية.
الموقف التركي
أنقرة تعتبر YPG/قسد امتداداً مباشراً لحزب العمال الكردستاني، وتراها تهديداً وجودياً على أمنها القومي. هذا الموقف قاد إلى ثلاث عمليات عسكرية تركية كبرى داخل الأراضي السورية: درع الفرات 2016، غصن الزيتون 2018، ونبع السلام 2019. تل أبيض وعين عيسى كانتا في قلب هذه العمليات، وتأثرتا تأثراً مباشراً بالتغير الميداني.
التداعيات على المدنيين
الحرب الطويلة بين تركيا وامتدادات الحزب لم يدفع ثمنها المقاتلون فقط، بل دفعه المدنيون في القرى والبلدات الواقعة على خط التماس. أبناء ريف الرقة الشمالي وتل أبيض شهدوا موجات نزوح متتالية، وتعطيل الزراعة، وتدمير البنى التحتية. كثير من العائلات اضطرت للنزوح إلى داخل سوريا، أو إلى تركيا، أو إلى دول الجوار.
المسار السياسي
رغم الحرب الطويلة، فإن أي حل دائم يحتاج إلى مسار سياسي، لا عسكري. التجارب التاريخية تثبت أن المعالجة الأمنية وحدها لا تنهي مثل هذه الصراعات. الحل ربما يكون في معادلة تجمع بين الاعتراف بالخصوصية الكردية ضمن وحدة الدول، وضمان عدم تحول الأرض السورية إلى ساحة ارتزاق للأجندات الإقليمية.