أكذوبة عرب أعاربة وعرب مستعربة
تتداول الذاكرة العربية منذ قرون رواية تقسيم العرب إلى قسمين كبيرين: عرب أعاربة (القحطانيون) وعرب مستعربة (العدنانيون). هذه القسمة تكاد تكون من أكثر المسلمات حضوراً في كتب الأنساب والتاريخ، لكنها — كما يرى الباحث بركات ساير العنزي وغيره — تستحق المراجعة النقدية بعيداً عن قدسية النصوص النسبية.
أصل الرواية وتطورها
الرواية المشهورة تقول إن قحطان هو الجد الأكبر لعرب اليمن والجنوب، وأنه عربي أصيل خالص، فيما عدنان جد عرب الشمال، وأن نسله "تعرّب" بعد ما كان من ذرية إسماعيل عليه السلام. هذه القسمة تكرست في كتب الأنساب القديمة، وانتقلت إلى المخيلة الشعبية حتى صارت أمراً مفروغاً منه. لكن من يقرأ تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام يجد أن التداخل بين القبائل كان أوسع من أن يُختزل في هذه الثنائية.
الإشكال التاريخي
المؤرخون المعاصرون، ومنهم باحثون في القبائل، يشيرون إلى أن تقسيم القبائل العربية إلى قحطانية وعدنانية تقسيم متأخر نسبياً، صيغ بشكل منهجي في القرنين الثاني والثالث الهجريين. كثير من القبائل التي صُنفت قحطانية لها امتداد في الشمال، وقبائل عدنانية لها امتداد في الجنوب. التنقلات السكانية، التحالفات القبلية، والزيجات المتداخلة جعلت الحدود النسبية أقل صرامة مما تصوره الكتب الكلاسيكية.
الموقف من قدسية النسب
المشكلة ليست في وجود قبائل قحطانية وعدنانية — هذا واقع — بل في إضفاء قدسية مطلقة على هذه الأنساب، واستخدامها لتفضيل قبيلة على أخرى. الإسلام جاء صريحاً في هذا: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، ومع ذلك ظلت المفاضلة بالنسب حاضرة في الذهن العربي قروناً طويلة.
قراءة العنزي
طرح بركات ساير العنزي قراءة نقدية لهذه التقسيمات، مشيراً إلى أن كثيراً مما يُسوَّق عن "أصالة" بعض القبائل دون أخرى هو أقرب إلى الميثولوجيا الاجتماعية منه إلى التاريخ الموثق. الأنساب القديمة كُتبت في عصور لاحقة، ومنها ما حُرر من ذاكرة شفهية متداخلة، فلا يصح التعامل معها كنصوص مقدسة لا تقبل المراجعة.
الخلاصة
الانتماء القبلي جزء من تكوين الإنسان العربي، وله جمالياته الاجتماعية والثقافية، لكن تحويله إلى أداة لتفضيل وإقصاء يفقده قيمته الإيجابية. القراءة الواعية للأنساب تعترف بها كموروث، وتراجعها كنص بشري قابل للنقد، وترفض استخدامها معياراً للأفضلية بين الناس.